فصل: تفسير الآيات (110- 112):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (104):

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}
قلت: {مِنْ}: للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فُروض الكفاية؛ إذ لا يصلح له كُلُّ أحد، أو للبيان، أي؛ كونوا أمة تأمرون بالمعروف، كقوله: {كُنتُمْ خَيْرُ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عِمرَان: 110] إلخ، و{يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} عطف على الخبر، من عطف الخاص على العام؛ للإيذان بفضله.
{يقول الحقّ جلّ جلاله}: {ولتكن منكم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أمة} أي: طائفةً {يدعون إلى الخير}، وهو كل ما فيه صلاحٌ ديني، أو دنيوي إذ كان يؤول إلى الديني، أو صلاح قلبي أو روحاني، {ويأمرون بالمعروف} وهو ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع، {وينهون عن المنكر} وهو كل ما ينكره الطبعُ السليم والشرع المستقيم، فمن فعل ذلك فأولئك {هم المفلحون} المخصوصون بكمال الفلاح.
رُوِيَ عنه عليه الصلاة والسلام: أنه سئل مَنْ خير الناس؟ فقال: «آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم الله، وأوصلهم للرحم» وقال أيضاً: «مَنْ أمَرَ بالمَعْروفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَرِ كان خَلِيفَةَ اللّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةَ رَسُولِه وخَلِيفَةَ كِتَابِه» وقال عليّ رضي الله عنه: (أفضل الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنئان الفاسقين- أي بغضهم- فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهرَ المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرْغَمَ أنف المنافق، ومن شَنَأَ الفاسقين وغَضب لله غَضبَ الله له). وقال أبو الدرداء: (لتأمُرُن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليُسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً، لا يُجِلُّ كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خيارُكم فلا يستجاب لهم، ويَسْتنصِرون فلا يُنصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم). وقال حذيفة: (يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار، أحب إليهم من مؤمنٍ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).
وللمتصدِّي له شروط: العلم بالأحكام، ومراتب الاحْتِسَاب وكيفية إقامتها، والتمكن من القيام بها، ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع، وطلب فعل بعضهم، إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض، كما هو شأن فرض الكفاية، إذ هو واجب على الكل، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعاً، لكنه يسقط بفعل البعض.
والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً، على حسب ما يأمر به، والنهي عن المنكر واجب كله؛ لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. وأما المكروه فليس بمنكر، فيستحب الإرشاد إلى تركه. والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو؛ لأنه يجب عليه تركه، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «مُرُوا بالمَعْرُوفِ وإن لَمْ تَعمَلُوا بِكُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وإنْ لم تَنْتَهُوا عنه كُلهُ».
الإشارة: {ولتكن منكم أمة} أي: طائفة ينهض حالهم ويدلُّ على الله مقالهم، يدعون إلى الخير العظيم، وهو شهود ذات السميع العليم، ويأمرون بالمعروف بالهمة العلية، وينهون عن المنكر بالحال القوية، فكلُّ من رآهم بالصفا ائتمر وانتهى، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى، إن لله رجالاً من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، فهؤلاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالحال دون المقال.
يُحكى أن بعض الشيوخ مرَّ مع أصحابه بقوم يشربون الخمر تحت شجرة فأراد أصحابه أن يُغيروا عليهم، فقال لهم: إن كنتم رجالاً فَغِيرُوا عليهم بحالكم دون مقالكم، فتوجهوا إلى الله بهممهم، فإذا القوم قد كسروا الأواني، وجاءوا إلى الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة، الذي كانوا مشتغلين باللهو واللعب، فقال له أصحابه: ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرَّحتَهم في الدنيا ففرِّحْهُم في الآخرة، فتابوا على يده جميعاً. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

.تفسير الآيات (105- 109):

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)}
قلت: {يوم} متعلق بالاستقرار في خبر {أولئك}، أو باذكر؛ محذوفة، وقوله: {أكفرتم}: محكي بقول محذوف جواب {أما}، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تكونوا} كاليهود والنصارى الذين {تفرقوا} في التوحيد والتنزيه، {واختلفوا} في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: «افْتَرقَتِ اليَهُودُ على إِحْدَى وسَبْعِين فرقَةً، وافْتَرقَت النَّصارَى عَلَى ثَنْتَيْنِ وسَبْعِين فِرقَةٌ، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقةً، كلُّها في النَّارِ إلا وَاحِدةً. قيل: ومَنْ تلك الواحدة؟ قال: ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه» وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم.
ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»، ولقوله: «من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد».
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا {من بعد ما جاءهم البينات} أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، {وأولئك لهم عذاب عظيم}، يستقر لهم هذا العذاب {يوم تبيض وجوه} المؤمنين المتقين على التوحيد، {وتسود وجوه} الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم يومئذ: {أكفرتم} بمحمد- عليه الصلاة والسلام- بعد ظهوره، {بعد إيمانكم} به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضاً: {ذوقوا العذاب} بسبب ما كنتم {تكفرون}.
{وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: جَنته، {هم فيها خالدون}. وعبَّر بالرحمة عن الجنة؛ تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله- تعالى-، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم.
{تلك آيات الله} الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، {نتلوها عليك} متلبسة {بالحق} لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، {وما الله يريد ظلماً للعالمين}؛ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه، وأوْعَدَه، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها؛ فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته،
{لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبيَاء: 23].
الإشارة: قد نهى الله- تعالى- أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين؛ لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف {فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر} [القَمَر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فُصّلَت: 46]. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (110- 112):

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}
قلت: {كان}: على بابها من الدلالة على المُضِيِّ، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و{للناس}: يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس.
يقول الحقّ جلّ جلاله: لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {كنتم} في سابق علمي {خير أمة} ظهرت {للناس} تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بيَّن وجه فضلهم فقال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} وبجميع ما يجب الإيمان به.
وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «حُرِّمتْ الجنةُ على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحُرّمتْ الجنة على الأُمَمِ حتى تدخلها أمتي» ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «أمتي أمةٌ مَرْحُومَةٌ، إذَا كَانَ يَوْمُ القِيامةِ أَعطى الله كُلَّ رَجُلٍ مِن هذه الأمة رجُلاً فيقال: هذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ».
وعن أنس قال: «خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا صوت يجيء من شِعْبِ، فقال: يا أنس: قُمْ فانظرْ ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجلٍ يُصلّي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيت، فأعلمته ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها». وقيل لعيسى ابن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. اهـ.
وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أُمتي كالمَطَرِ، لا يُدْرَى أولهُ خيرٌ أو آخرُه»؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال: «اشتقْتُ إلى إخواني، فقال أصحابُه: نحتن إخوانُك يا رسول الله، فقال أنتم أصْحَابي، إخْواني: ناس يأتُون بعدي، يُؤمنون بي ولم يَرَوْنِي، يَوَدُّ أحدُهم لو يَرَاني بجميع ما يَمْلِكُ. يَعْدِلُ عملُ أحدهم سبعين منكم. قالوا: مِنْهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وَجَدْتُم على الخير أعْواناً، وهم لا يَجِدُوا عليه أعواناً» أو كما قال- عليه الصلاة والسلام-.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء- عليهم السلام- ويدل على هذا قوله- عليه الصلاة والسلام- «يعدل عمل أحدهم»، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهونَ عن كلِّ ما يُبعد عن الله ويفرق العبدَ عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: (قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه).
وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبواً. اهـ. وكان كثيراً ما ينشد:
عِلْمُ التصوفِ عِلمٌ ليس يَعْرِفُهُ ** إلاَّ أَخْو فِطْنَةِ بِالحقِّ معروفُ

وليسَ يُبْصِرهُ مَنْ ليس يَشْهدهُ ** وكيفَ يَشْهَدُ ضوءَ الشمس مكفوفُ

وقال الشيخ الصقلي: (كلُّ من صدَّقَ بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبّر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يُدرك والبحر الذي لا ينزف). وقال في الإحياء- لمَّا تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: (والرتبةُ العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعماء الراسخين، ثم للصالحين). فقد قدَّم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّ العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حُجَّةُ من يُرَجِّعُ الصُوفية ** على سواهم حُجَّةٌ قويَّة

هُمْ أَتْبَعُ النَّاسِ لخيرِ النَّاس ** مِنْ سَائِرِ الأَنَامِ والأُنَاس

ثم قال:
ثُمَّ بِشَيْئَيْنِ تقومُ الحُجَّه ** أنَّهمْ قَطْعاً على المَحَجَّه

وَمَأ أَتَوْا فيه بخَرْقِ الْعَادَه ** إذْ لمْ تَكُنْ لِمَنْ سِوَاهُم عَادَه

قَدْ رَفَضُوا الآثَامَ والعُيوب ** وطَهَّرُوا الأبدَانَ والقُلُوب

وَبَلَغُوا حقيقَةَ الإيمَان ** وانْتَهَجُوا منَاهِجَ الإحْسَان

ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهوَّن أمرهم، فقال: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}
قلت: الاستثناء في قوله: {إلا بحبل}: من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو آمن أهل الكتاب} إيماناً كإيمانكم، {لكان خيراً لهم} مما هم عليه.
وليس أهل الكتاب سواء، بل {منهم المؤمنين} كعبد الله بن سلام وأصحابه، {وأكثرهم الفاسقون} المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم {لن يضروكم} إلا ضرراً يسيراً؛ كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، {وإن يقاتلوكم} ينهزموا، و{يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} أبداً عليكم.
وهذه الآية من المُغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم تُرْفع لهم راية أبداً، بل {ضُربت عليهم الذلة} والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم {أيم ما ثقفوا} ووُجدوا، فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، {وحبل من الناس}، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. {وباءوا بغضب من الله} أي: انقلبوا به مستحقين له، {وضربت عليهم المسكنة} أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها.
{ذلك} الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله} المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، {ويقتلون الأنبياء بغير حق} بل ظلماً وعدواناً، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يُفضي إلى الكبائر، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر؛ لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله.
الإشارة: ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيراً لهم، للتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يُغيِّبْ ألمّ ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يُهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا يَنْصُرُهم في الغالب.
قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى برِّ النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادةً في شرفهم وعزّهم، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هَمٍّ وغمٍّ وذُلٍّ ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإنَّ الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه على أولياء الله، «ومن آذى لي وليّاً فقد أذن بالحرب» رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.